مرحبا بك في مدونة الوظائف السودانية
أول مدونة سودانية خاصة بالوظائف

العصا السحرية لصناع التسويق والإعلان

 
لطالما انبهرنا وغرقنا في دهشتنا البريئة ونحن أطفال كلما شاهدنا عرضا من عروض الألعاب السحرية.
كم كانت الدهشة تداعب فضولنا وتستفز عقولنا الصغيرة ونحن نتابع فصول السحر العجيب. ما إن ينطق الساحر بتلك الكلمات المبهمة ويحرك عصاه العجيبة حتى تبدأ العجائب في الظهور ومعها أفواهنا الفاغرة. الكل كان يسميها ألعاب خفة، ولكن وقعها على عقولنا الصغيرة يأبى أن يغير قناعتنا بأنها أعمال سحر عجيب. ليس الصغار وحدهم من ينطلي عليهم سحر هذه الألعاب، فالكبار أيضا لا يقلون انبهارا من صغارهم وإن علموا مسبقا أنها مجرد خدع تعتمد على الخفة والإيهام.
نعم إنها لعبة الإيهام (illusion)، هذا هو السر وراء كل ألعاب الخفة. فبالإضافة إلى سرعة التنفيذ، تعتمد هذه العروض السحرية على التغطية على الخدعة وذلك من خلال لفت نظر المشاهد عبر حركات أو إشارات تلهي تركيزه في ثوان قليلة تكون كفيلة بإخفاء الخدعة الأساسية.
ففي الوقت الذي يقوم فيه الساحر بتحريك عصاه “السحرية” أو رواية طرفة أو النفخ في العلبة، خلال كل هذا يكون قد غير المناديل أو بدل الكرات الملونة أو ادخل الحسناء إلى الصندوق العجيب، فيكمل عرضه السحري أمام ذهول المشاهد و حيرته من انهيار قوانين الفيزياء على يد الساحر الموهوب.
لنسرد الآن لعبة خفة و سحر من نوع آخر تعتمد كذلك على الإيهام، لعبة مندوب المبيعات حينما يطرق بابك، فيبدأ في عرضه السحري حيث يبيعك أشياء قد لا تكون في حاجة إليها، يغطي على عدم حاجتك إلى تلك المنتجات بعروض استثنائية وتوفير في المال عبر شرائك لعدة منتجات بالإضافة إلى هدية مجانية فوق كل ذلك.
تكون النتيجة أنك قد اشتريت أشياء لم تكن في حاجة إليها و قد دفعت مالا من جيبك دون أن تكون راغبا في ذلك، لعبة تسويق بسيطة لكن تفتح الباب لرصد إستخدام لعبة الإيهام في سياسات التسويق و الإعلان على مستويات أكبر و لمنتوجات في بعض الاحيان أخطر.
فالتسويق كما هو معلوم يعتمد على دراسة الجوانب النفسية للمستهلكين، رغبة في الوصول الى فهم سلوكياتهم و طريقة اتخاذهم لقرارات الاستهلاك.
ولأن البحث في هذا المجال يفضي إلى اتخاذ المستهلكين لقرارات عقلانية وأخرى غير مبررة، فصناع السياسات التسويقية والإعلانية يعتمدون على الجانب غير المبرر لتمرير منتجاتهم نحو قلوب المستهلكين، من هنا نفهم دور لعبة الإيهام في التأثير على قراراتنا اليومية أثناء شراء منتجات قد نكون في غنى عنها.
إحدى الصور المهمة والمعبرة لاستخدام الإيهام في ميدان التسويق هي الإعلانات التجارية. فهذه الأخيرة تعتبر أحد أهم وسائل تنفيذ السياسة التواصلية لأي منتج، حيث كانت تحمل إلى وقت قريب شكلا متعارفا يقضي بإيصال رسالة إلى المستهلك، تعبر عن نقط القوة للمنتوج و وعود متعلقة بإرضائه و أنه مقابل المال الذي سيدفعه سينال منتوجا يفي مطلبه و حاجته. لكن، و مع العرض الكبير والمتنوع من المنتوجات والمنافسة الشرسة بين العلامات التجارية.
أضحت السياسات التواصلية التقليدية غير ذات جدوى، لتظهر اللمسة السحرية لخبراء التسويق، الذين علموا أن جودة المنتوجات وحدها لم تعد قادرة على إقناع المستهلك في ظل المنافسة الشرسة. هنا طفت على السطح لعبة الإيهام و التي أضحت سلاحا فعالا في معركة الإعلانات بين العلامات التجارية.
للمس هذا التأثير للإيهام على الإعلانات التجارية، يكفي استعراض ما يروج على شاشاتنا من إعلانات. فبعض المنتجات الغذائية، و مع ما أصبح يروج من أثرها السلبي على صحة المستهلكين، أصبحت تتسلل إلى قلوب المستهلكين عبر خطابات تعزف على الأوتار النفسية، حيث توهم المتلقي بالنشوة النفسية و الرضا الذاتي الذي سيوفره استهلاك المنتوج. فينسى المتلقي المعادلة التقليدية، التي تقوم على ارضاء حاجته من خلال المنتوج مقابل ما يدفعه من مال.
هنا تظهر قوة الإيهام على إقناع المستهلك على دفع المال مقابل وعود حالمة لا علاقة لها بالطبيعة الأصلية للمنتوج.
إذن فلعبة الإيهام صارت إحدى التقنيات الأكثر استخداما من لدن صناع السياسات الإعلانية، بعد أن استنفذت المقاربة التقليدية فعاليتها، في ظل وفرة في العرض و منافسة شرسة بين العلامات التجارية. ليصبح المعلنون أشبه بالسحرة خلال عرض الألعاب السحرية ونكون نحن المستهلكون متابعين إما أن تنطلي علينا الخدعة المبهرة وإما أن نستهلك بعقلانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق